تقرير حقوقي يوثق الانتهاكات وتدهور الأوضاع الإنسانية في المحافظات المحتلة
منظمة انتصاف – تقرير
أصدرت منظمة انتصاف لحقوق المرأة والطفل تقريراً حقوقياً وثق الانتهاكات وتدهور الأوضاع الإنسانية في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة بعنوان “جنوب اليمن.. سيادة مستباحة ومعيشة منكوبة”.
تناول التقرير واقع الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية في المحافظات الجنوبية، ووثق جانبًا من الانتهاكات التي طالت المدنيين، وانعكاسات الاحتلال على حياة المواطنين والخدمات الأساسية.
وتطرق إلى التوصيف القانوني لاحتلال المناطق الجنوبية من قبل السعودية والإمارات.
وأوضح التقرير أن المحافظات الجنوبية تمر بواقع إنساني ومعيشي متدهور، نتيجة تداخل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وانعكاساتها على حياة المواطنين، في ظل تراجع الخدمات الأساسية، وتدهور العملة المحلية والقدرة الشرائية، وتعطيل عدد من المنشآت الاقتصادية الحيوية.
ووفق بيان صدر عن المنظمة تلقت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) نسخة منه، اعتمد التقرير في توثيقه على الرصد الميداني للمنظمة، والتقارير الصادرة عن الجهات الرسمية والمنظمات الدولية، إلى جانب المتابعة المستمرة للمصادر الإعلامية الرسمية والموثوقة، بهدف رصد وتوثيق الانتهاكات وتسليط الضوء على آثارها الإنسانية والحقوقية.
وأشار التقرير إلى أن تدهور الوضع الاقتصادي انعكس بصورة مباشرة على المواطنين، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود وتراجع القدرة الشرائية، في وقت تواجه فيه الأسر صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتها الأساسية، بالتزامن مع تراجع مستوى الخدمات العامة، حيث تجاوزت معدلات التضخم في السلع الغذائية حاجز 300% مقارنة بالأعوام السابقة، كما يعجز أكثر من 80% من الأسر عن توفير الوجبات الأساسية نتيجة لعدم انتظام الرواتب وتآكل قيمتها الشرائية.
ولفت إلى أن السيطرة على الموانئ والمنشآت الاقتصادية وتعطيل إنتاج وتصدير الموارد النفطية والغازية أسهما في حرمان الاقتصاد اليمني من موارد كان يمكن توظيفها في تمويل الخدمات العامة وتشغيل المرافق الصحية والتعليمية وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.
وذكر التقرير أن أعضاء ما تسمى بالحكومة القابعين في فنادق الرياض يستمرون في عمليات نهب ونصب واحتيال على المواطن اليمني، ويعيشون خارج البلاد مع عائلاتهم في ترف كبير، في الوقت الذي يعيش فيه المواطنون في المناطق المحتلة أوضاعاً كارثية ومأساوية، حيث أصبح الكثيرون منهم غير قادرين على تأمين لقمة العيش، كما قدم التقرير وثائق تفضح فساد ونهب تلك الحكومة.
وأفاد بأن القطاع الصحي يعاني من انهيار شبه كامل للبنية التحتية، مع توقف أكثر من 45 إلى 50 بالمائة من المنشآت الصحية عن العمل كلياً أو جزئياً نتيجة غياب النفقات التشغيلية وشح الأدوية والمستلزمات.
ولفت التقرير إلى أن تراجع الدعم وتعطيل المنشآت الحيوية التي تدر الإيرادات أدى إلى انتشار كوارث وبائية غير مسبوقة، حيث سجلت منظمة الصحة العالمية تراكمياً لعام 2025م 93 ألفاً و496 حالة إصابة كوليرا مؤكدة ومشتبهاً بها، و248 حالة وفاة مرتبطة بالوباء، مما جعل اليمن ثاني أعلى بلدان العالم تضرراً وتفشياً للمرض، واستمرت الأزمة مع بداية عام 2026، حيث ارتفعت مستويات الانتقال مع رصد أكثر من ثلاثة آلاف و 177 حالة جديدة في الربع الأول من العام، مما جعل اليمن يصنف في مراتب متقدمة عالمياً في عبء الإصابة بالكوليرا.
وحسب التقرير شهدت المحافظات الجنوبية المحتلة (خاصة عدن، ولحج، والساحل الحضرمي) ارتفاعاً حاداً ومقلقاً في حالات حمى الضنك، حيث سجلت البلاد خلال النصف الأول من عام 2026 ما يزيد عن خمسة آلاف و786 حالة إصابة مؤكدة بحمى الضنك و30 حالة وفاة.
وأوضح أن مدينة عدن تصدرت بؤرة التفشي؛ حيث تم تسجيل ألف و243 إصابة و12 حالة وفاة فيها بمفردها بنسبة بلغت نحو 67 بالمائة من إجمالي الوفيات، حيث تم الإبلاغ عن آلاف الحالات المشتبه بها وعشرات الوفيات.
وأشار التقرير إلى أن صندوق الأمم المتحدة للسكان قلص برامجه المنقذة للحياة بنسبة 40 بالمائة، وقد أدى هذا التقليص الحاد إلى تهديد حياة أكثر من مليوني امرأة وفتاة من الوصول إلى رعاية الأمومة والولادات القيصرية الآمنة، مسبباً وفاة ما متوسطه ثلاث نساء يومياً أثناء الولادة بسبب مضاعفات يمكن الوقاية منها.
كما تناول واقع القطاع الصحي، مشيرًا إلى تدهور أوضاع المستشفيات الحكومية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية والميزانيات التشغيلية، وما يترتب على ذلك من تفاقم معاناة المرضى، بالتزامن مع عودة وانتشار بعض الأمراض والأوبئة في عدد من المحافظات الجنوبية.
وفي الجانب الحقوقي، وثق التقرير حالات من الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز، لافتاً إلى انتشار السجون ومراكز الاحتجاز غير القانونية في عدد من المحافظات الجنوبية، في ظل تعدد المليشيات المسلحة وتراجع مؤسسات الدولة
وتشير الإحصائيات إلى وجود شبكة من 18 سجنًا سرياً على الأقل تديرها الإمارات وفصائلها المسلحة في المحافظات الجنوبية يتعرض فيها المعتقلون لأساليب تعذيب وحشية ممنهجة، كما تؤكد وجود ألف و200 حالة اعتقال تعسفي واختطاف، ومئات حالات الإخفاء القسري في السجون التابعة للمليشيات المسلحة المدعومة إماراتياً.
وبين التقرير أن حملة الاعتقالات والمداهمات التي رافقت الاحتجاجات الشعبية المطالبة بتحسين الأوضاع الخدمية والمعيشية في عدن طالت أكثر من 14 ناشطًا ومواطنًا.
وتطرق إلى الانتهاكات التي تعرضت لها أسر المعتقلين والمخفيين قسرًا، موثقًا حالات ابتزاز واحتجاز أمهات وزوجات كوسيلة للضغط على ذويهن، إلى جانب مطالبات مالية مقابل الحصول على معلومات عن مصير المعتقلين.
ورصد التقرير التداعيات النفسية والاجتماعية الناجمة عن تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية والأمنية، موضحًا أن الضغوط المستمرة والانهيار الاقتصادي والعيش في ظل انتشار المليشيات المسلحة أسهمت في إحداث آثار عميقة على الحالة النفسية للمواطنين وعلى تماسك المجتمع، وتشير الإحصائيات إلى أن ما يقارب 80 بالمائة من السكان يعانون من شكل من أشكال الاضطرابات النفسية كالقلق الشديد، والاكتئاب، والاضطرابات السلوكية المرتبطة بالصدمات، والناتجة عن تدهور الوضع المعيشي وغياب الأمان.
وذكر أن المحافظات الجنوبية والشرقية شهدت ارتفاعاً مضطرداً في حالات العنف الأسري بنسبة تجاوزت 36 بالمائة؛ مرجعاً هذا الارتفاع بشكل مباشر إلى الضغوط المعيشية المتزايدة على أرباب الأسر جراء انهيار العملة وانقطاع الرواتب.
وأشار التقرير إلى زيادة كبيرة في معاملات الطلاق والخلع والنزاعات الأسرية خلال الأعوام الأخيرة نتيجة العجز المالي التام لرب الأسرة؛ حيث تشير تقديرات حقوقية محلية إلى أن الأزمات المعيشية والاقتصادية تقف وراء أكثر من 65 بالمائة من حالات الانفصال المسجلة حديثاً في المحافظات الجنوبية.
وأكد أن الانهيار الاقتصادي وسعي العائلات لتأمين لقمة العيش سبب ارتفاعاً في نسبة عمالة الأطفال في المحافظات الجنوبية التي تعاني من تدهور العملة بشكل كبير؛ حيث يضطر نحو 1 من كل 4 أطفال في سن المدرسة للعمل في مهن شاقة أو خطرة (كالبيع في الجولات، وورش السيارات، وجمع البلاستيك) لمساعدة أسرهم مالياً، مما يترك أثراً نفسياً واجتماعياً بالغ السوء على مستقبلهم.
وتطرق التقرير إلى الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها مدينة عدن منذ يونيو 2026، احتجاجًا على تدهور الأوضاع المعيشية وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، والتي تطورت إلى اعتصامات وإغلاق للطرق وعصيان مدني، قبل أن تواجه بحملة اعتقالات ومداهمات طالت عددًا من المشاركين فيها، مستعرضاً قصصاً إنسانية واقعية لحالات تعرضت لانتهاكات من قبل الاحتلال السعودي الأمريكي الإماراتي ومرتزقته.
وأكدت منظمة انتصاف في تقريرها أن ما يجري في المحافظات الجنوبية يستدعي تحركًا جادًا من المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات والهيئات الحقوقية الدولية، للضغط من أجل وقف الانتهاكات وحماية المدنيين وضمان احترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
ودعت إلى إنهاء كافة أشكال التواجد والتدخل العسكري الأجنبي، والعمل على استعادة السيادة الوطنية، وتحييد الملفين الاقتصادي والخدمي عن الصراعات السياسية، وتفعيل الأجهزة الرقابية والقضائية للحد من الفساد، وإغلاق مراكز الاحتجاز غير القانونية وإحالة الموقوفين إلى القضاء.
وأفادت المنظمة بأن التقرير يأتي في إطار جهودها الحقوقية الرامية إلى رصد وتوثيق الانتهاكات الواقعة على المدنيين، وإيصال الحقائق المتعلقة بالأوضاع الإنسانية والحقوقية إلى الرأي العام والمنظمات الدولية والجهات المعنية، بما يسهم في تعزيز حماية المدنيين والمطالبة بمساءلة مرتكبي الانتهاكات وإنصاف الضحايا.