الطفلة “سيلا” تحمل على ظهرها وجع حربٍ لم تنتهِ

منظمة انتصاف – عربي ودولي

لم تعد سيلا أبو كريم، الطفلة ذات الأعوام الستة، قادرة على الركض خلف ألعابها، أو الوقوف مستقيمة كأقرانها. جسدها الصغير الذي كان يوماً يركض في أرجاء البيت، انحنى تحت ثقل شظية اخترقت منزل عائلتها في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، واستقرت في عمودها الفقري، تاركة طفولتها معلقة بين الألم وانتظار علاج قد لا يأتي.

داخل خيمة النزوح، تجلس سيلا بجسد فقد توازنه، كأن الحرب لم تكتفِ بهدم بيتها، بل هدمت أيضاً استقامة جسدها، وتركت في ظهرها أثراً ثقيلاً من آثار القصف.

تنظر إليها أمها طويلاً، وكأنها تحاول أن تستعيد في ملامحها صورة طفلتها التي كانت قبل الإصابة؛ تلك الصغيرة التي كانت تركض وتلعب وتملأ البيت حركة وضحكاً.

تقول الأم، وهي تجلس إلى جوار ابنتها لـ وكالة “صفا” الفلسطينية: “سيلا قطعة من روحي، وليست مجرد طفلة.”

لم يعد بوسعها أن تفعل الكثير. حين يشتد الألم، لا تجد سوى يديها؛ تدلك بهما الفقرات الملتوية في ظهر طفلتها، محاولة أن تمنحها دقائق قليلة من الراحة، في غياب الدواء والعلاج والرعاية الطبية اللازمة
.
وتضبف: “لا أملك لتخفيف أوجاعها سوى تدليك فقراتها الملتوية، التي تحرمها من الوقوف أو السير.”

ثم تستعيد الأم ما قبل الشظية، وكأنها تستحضر حياة أخرى:”كانت تركض في أرجاء البيت، والآن أراها تتلوى في الخيمة من الألم أمام عيني، دون أن أملك لها دواءً يسكن وجعها، أو علاجاً يعيد لجسدها قوامه.”

لم تكن الشظية مجرد قطعة معدنية اخترقت جسد طفلة؛ بالنسبة إلى أمها، كانت لحظة فاصلة بين طفولة كاملة وطفولة مبتورة.

“الشظية لم تكسر ظهرها فحسب، بل اغتالت طفولتها واستقرارها الجسدي”، تقول الأم، قبل أن تضيف أن أصعب ما تواجهه هو ذلك الشعور بالعجز أمام صراخ ابنتها المستمر.

سيلا اليوم بحاجة إلى إخلاء طبي عاجل، وعمليات جراحية دقيقة لتقويم عمودها الفقري، قبل أن تتحول إصابتها إلى إعاقة دائمة. لكن الوصول إلى هذا العلاج خارج القطاع يبدو بعيداً، في ظل الانهيار الذي أصاب المنظومة الصحية في غزة، والنقص الحاد في المستلزمات والأدوية، وتعذر وصول كثير من الحالات الحرجة إلى العلاج المتخصص.

وفي جسد سيلا الصغير تختصر قصة أعداد كبيرة من جرحى الحرب في قطاع غزة؛ أجساد أصابتها الشظايا والرصاص والقصف، ولم تنتهِ معاناتها بانتهاء الانفجار، بل بدأت بعده.

إصابات وبتر أطراف وتشوهات هيكلية وكسور في العمود الفقري وتلف في النخاع الشوكي، إلى جانب حروق بالغة وإصابات في الرأس والدماغ، تركت آلاف الجرحى أمام عاهات قد ترافقهم طوال حياتهم.

لكن سيلا لا تعرف كل ذلك.هي تعرف شيئاً واحداً فقط: أن ظهرها يؤلمها، وأنها لم تعد تستطيع الوقوف كما كانت.

وتعرف أمها شيئاً آخر أكثر قسوة: أن طفلتها التي كانت تحتاج إلى حضن كي تهدأ، أصبحت تحتاج إلى عملية جراحية كي تستطيع أن تقف.

في خيمة النزوح، لا تملك الأم سوى أن تمسح دموعها بعيداً عن عيني ابنتها، ثم تضع يديها على ظهرها المنحني، وتواصل التدليك.

وتضم طفلتها، لا تستطيع إنقاذها.
أما سيلا، فتظل جالسة بجسد منحني، تحمل على ظهرها شظية حرب، وعلى طفولتها كلها ثقل غزة.

ففي غزة، قد تنجو الطفلة من القصف، لكن الحرب تتركها حيةً بجسدٍ لا يشبه جسدها الأول، وطفولةٍ لن تعود كما كانت.

قد يعجبك ايضا