نازحو غزة يواجهون الصقيع بما تبقّى من حياة

منظمة انتصاف – عربي ودولي

في غزة، لا يأتي الشتاء محمّلًا بالمطر فقط، بل بالقلق. لا يُقاس البرد هنا بدرجات الحرارة، بل بعدد الليالي التي تمرّ ثقيلة بلا نوم، وبعدد الأجساد الصغيرة التي تحاول النجاة من صقيعٍ لا يرحم.
ومع تحذيرات الأرصاد الجوية من موجة برد قاسية واحتمال تشكّل الصقيع، يتحوّل الليل إلى اختبار يومي للبقاء، خاصة في الخيام والمنازل المدمّرة التي تؤوي آلاف النازحين.
في هذا المكان، لا يسأل الناس عن حالة الطقس، بل عن قدرتهم على حماية أطفالهم من بردٍ لا يملكون وسيلة لردعه، سوى الاحتماء ببعضهم البعض.
أمينة الحية، نازحة وأم لطفل رضيع لم يتجاوز شهرين، تعيش ليلها في قلق دائم. تقول بصوت متعب لـ صحيفة (فلسطين): “الليل أصعب الأوقات، حين تهدأ الأصوات ويصبح البرد أكثر حضورًا من أي شيء آخر”.
لا تضع طفلها على فراش منفصل، بل تُبقيه ملاصقًا لصدرها طوال الليل، ملفوفًا بطبقات من الأغطية القليلة التي استطاعت توفيرها قبل ولادته.
وتؤكد أن جسده الصغير لا يحتمل هذا البرد، وأن بكاءه الخافت يوقظ خوفها عليه قبل أن يوقظ من حولها. وتقول إنها تفحص أنفاسه كل لحظة، وتضع يده الصغيرة على وجهها لتتأكد أنه ما زال دافئًا.
ومع الحديث عن تشكّل الصقيع، يتضاعف خوفها، فهي لا تملك سوى خيمة وبعض البطانيات التي توزعها على عائلتها المكوّنة من ستة أفراد: “أخشى أن يبرد أكثر مما يحتمل.. أخشى أن أعجز عن حمايته. هو صغير جدًا على هذه الحياة”.
وفي شقة مدمّرة قرب دوار الخور في حي تل الهوا بمدينة غزة، تحاول أم زين صيام إعادة الحياة إلى جدران متشققة ونوافذ ناقصة. بعد استشهاد زوجها، أصلحت جزءًا من الشقة بجهود شخصية لتأوي أطفالها الخمسة، بعد رحلة نزوح شاقة فرضها البرد والمنخفضات الجوية.
تقول وهي تراقب أطفالها يلتفون بالبطانيات لتدفئة أيديهم وأرجلهم: “أحاول أن أجعل المكان يبدو بيتًا، لا مأوى”.
لكن كل منخفض جوي يعيد إليها الشعور بالعجز، فهي المسؤولة الوحيدة عن أطفال أيتام، وتحمل عبء حمايتهم نفسيًا وجسديًا في آن واحد: “أطفالي فقدوا أباهم، ولا أريد أن يشعروا أنهم فقدوا الأمان أيضًا”.
وتخشى مع اشتداد البرد أن لا تصمد الإصلاحات البسيطة أمام الرياح والصقيع، مؤكدة أن البرد يتسلّل من النوافذ والأرض، ويخترق كل محاولة للدفء.
وفي خيمة أخرى بتل الهوا، يعيش عاهد سكر، نازح من حي الشجاعية، مع أطفاله الثلاثة المصابين بالإنفلونزا. يصف أيامه بأنها سلسلة من محاولات البقاء: “نعيش تبعات كل منخفض جوي، فآثاره لا تزول بسرعة”.
يقضي ليله في جمع الحطب لإشعال نار صغيرة خارج الخيمة، ويكدّس البطانيات فوق أطفاله مع زوجته، ثم ينام بينهم ليشاركهم حرارة الجسد.
يقول: “ننام متلاصقين.. لا خيار آخر. الدفء الوحيد الذي نملكه هو بعضنا”.
ومع مرض الأطفال، يصبح البرد تهديدًا مضاعفًا؛ سعال متواصل، وارتفاع في الحرارة أحيانًا، وخوف لا يغادر القلب، بينما يقف الأب عاجزًا إلا من الانتظار.
وتحذّر الأرصاد الجوية من تأثر قطاع غزة بكتلة هوائية شديدة البرودة قطبية المنشأ، ستؤدي إلى انخفاض حاد في درجات الحرارة لتصبح أقل من معدلاتها السنوية، مع ارتفاع فرص تشكّل الصقيع خلال ساعات الليل والفجر، خاصة في المناطق المكشوفة، ما يضاعف المخاطر على النازحين وسكان البيوت غير المؤهلة.
في غزة، لا يطلب النازحون دفئًا كاملًا، بل ليلة تمرّ بسلام. هنا، يتقاسم الناس البطانيات، ويتشاركون حرارة الأجساد، ويقاومون البرد بالإرادة والخوف معًا.
ومع كل موجة صقيع، يبقى السؤال معلّقًا في العراء: إلى متى سيظل الدفء الوحيد المتاح لأطفال غزة هو حضن أمٍ خائفة، أو جسد أبٍ يحاول أن يكون آخر خط دفاع في وجه الشتاء؟.

قد يعجبك ايضا