جسدٌ صغير يقاوم وطفلةٌ تُحاصرها الحياة من كل اتجاه في غزة

منظمة انتصاف – عربي ودولي

في غزة، حيث تختلط أصوات الحرب بأنين المرضى، لا تحتاج المأساة أحيانًا إلى صخبٍ كي تُرى.. يكفي جسدٌ صغير يقاوم، وطفلةٌ تُحاصرها الحياة من كل اتجاه.
هناك، في غرفةٍ يثقلها الصمت والوجع، تجلس إيمان الهسي (12 عامًا) على حافة الطفولة المهددة بالانطفاء. لم يعد السرطان مجرد تشخيص طبي في ملفٍ داخل مستشفى منهك، بل أصبح واقعًا ينهش أيامها، ويحوّل لحظاتها إلى معركة يومية بين الألم والبقاء.
وبينما يفترض أن تبدأ حياتها في اللعب والدرس والضحك، تجد نفسها في مواجهة لا يملك فيها الطفل أي أدوات سوى الصبر والوجع.
تقول والدتها، بصوتٍ يتكسر بين الحنين والخوف لـ صحيفة (فلسطين): “كانت إيمان روح البيت وضحكته، ثم بدأ الألم في بطنها، وتدرج سريعًا حتى جاءت الصدمة: ورم خبيث ونادر، يسمى بـ ورم كيس المُحّ (Yolk Sac Tumor) بحجم كبير، تمدد في جسدها وأرهقه”.
تتوقف الأم قليلًا، كأن الكلمات تثقل قلبها قبل لسانها، ثم تتابع: “المرض لم يترك جزءًا من جسدها إلا وأثّر فيه، وكل يوم يمر عليها هنا، يجعلنا نشعر أننا نفقدها أكثر”.
لكن المأساة لا تتوقف عند حدود المرض. ففي غزة، يتحول التشخيص إلى بداية رحلة أخرى من العجز، حيث المستشفيات المثقلة بالحرب، والنقص الحاد في الأدوية، وصعوبة الوصول إلى العلاج المتخصص.
تحتاج إيمان إلى بروتوكول علاجي دقيق، وجلسات كيماوي، وربما تدخلات جراحية، لكن كل ذلك بات أقرب إلى المستحيل.
تقول والدتها: “لو كانت في أي مكان آخر، لكان هناك أمل حقيقي.. لكن هنا، حتى أبسط الدواء صار حلمًا، وكأننا نواجه المرض وحدنا بلا أدوات”.
وتضيف بنبرة تختلط فيها المرارة بالأمل: “الأطباء يفعلون ما يستطيعون، لكنهم محاصرون مثلنا.. لا أجهزة كافية، ولا أدوية كافية، ولا فرصة كافية للحياة”.
في الخلفية، لا يبدو الألم فرديًا فقط، بل جزءًا من صورة أكبر لواقع صحي مثقل بالحصار والدمار، حيث يتحول المرض إلى اختبار قاسٍ للإنسان قبل أن يكون اختبارًا للجسد. وبينما تتراجع إمكانيات العلاج، يتقدم الخوف من فقدان طفل لم يبدأ حياته بعد.
وبصوتٍ يختصر كل ما عجزت عنه الكلمات، تنظر الأم نحو النافذة وتقول: “كل ما نتمناه أن يُفتح باب للعلاج.. أن تُنقل إيمان خارج غزة قبل أن ينتصر المرض عليها”.
ثم تخرج منها الجملة الأخيرة كنداءٍ لا يحتمل التأجيل: “أنقذوا طفولتها.. أنقذوا ما تبقى من حقها في الحياة”.
تبقى إيمان الهسي هناك، بين جسدٍ صغير يقاوم مرضًا شرسًا، وحصارٍ يضيّق فرص النجاة.
وبين هذا وذاك، تقف طفولة كاملة على حافة الانتظار.. انتظار قد يحمل حياة، أو يسرقها بصمت.

قد يعجبك ايضا